فوزي آل سيف

51

إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب

ويعرف الرسول صلى الله عليه وآله ماذا تعني الدعوة الجديدة بالنسبة لقريش؟ إنها تعني النسف الكامل لكل ما بنوه من مجد باطل، وعبادة زائفة، وتسلطوا على سائر القبائل مستفيدين من وجودهم قرب بيت الله الحرام، ولذلك فقد كان بحاجة إلى قلب حان، وذراع قوية، يدفئه الأول وتحميه الثانية ويأتي إلى عمه العباس بن عبد المطلب: إن الله قد أمرني بإظهار أمري وقد أنبأني فما عندك؟! قال الرسول لعمّه الذي أجابه: يا ابن أخي إن قريشاً أشد الناس حسداً لولد أبيك، وإن كانت هذه الخصلة كانت الطامة الطّماء والداهية العظيمة ورمينا عن قوس واحد وانتسفونا نسفاً، ولكن قرّب إلى عمّك أبي طالب فإنه كان أكبر أعمامك، فإنه إن لا ينصرك، لا يخذلك ولا يُسلمك. وهكذا لم يجد الرسول صلى الله عليه وآله في عمه العباس قدرة الحماية والتصدي للدفاع عن دعوته، فاتجه صلى الله عليه وآله مع العباس إلى أبي طالب، فلما رآهما قال: إنّ لكما تظنةً وخبراً ما جاء بكما في هذا الوقت؟! فعرّفه العباس ما جرى، فنظر أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال له: اخرج يا ابن أبي فأنك الرفيع كعباً والمنيع حزباً والأعلى أباً... والله لا يسلقك لسان إلاّ سلقته ألسن شداد واجتذبته سيوف حداد، والله لتذلنّ لك العرب ذلّ البُهم لحاضنها، ولقد كان أبي يقرأ الكتاب جميعاً ولقد قال: إن من صلبي لنبياً لوددت أني أدركت ذلك الزمان فآمنت به فمن أدركه من ولدي فليؤمن به[103]. ووجد أبو طالب ما كان يبحث عنه، ذلك أنه وآباءه وهم يدينون بالحنيفية الإبراهيمية كانوا يقرؤون الكتب ويتوارثون العلم عن النبي المنتظر الذي ستذلّ له العرب، ويتواصون بالإيمان به والفداء في نصرته إن أدركوه، وهكذا يمرّ جيل وآخر حتى كان هذا اللقاء، وأكّد لأبي طالب صحة ما قد توسّمه في ابن أخيه... ولكن... إنه يقف أمام منعطف خطر، وعليه أن يستخدم أقصى ما يملكه من ذكاء، بحيث يخفي عقيدته وإيمانه لكي يستطيع أن يبقى في موقع (شيخ الأبطح) وسيد قريش. ومن خلال ذلك يقوم بحماية الرسول والمؤمنين به دون أن يكون موقع التهمة، ويحتاج من يمارس هذا الدور إلى نفس صلبة وعقيدة راسخة تماماً كمؤمن آل فرعون، وكأهل الكهف الذين «أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم وأن أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرتين» كما قال الإمام الصادق عليه السلام. ومارس أبو طالب هذا الدور بكل دقة واتقان.. ولو كان قد أعلن إيمانه منذ البدء لم يكن يستطيع ذلك.

--> 103  الغدير 7/348 عن نهاية الطلب والسؤول في مناقب آل الرسول.